تاريخ وتطور الة العود فى اليونان

 تاريخ وتطور الة العود فى اليونان 



تاريخ وتطور آلة العود في الحضارة اليونانية القديمة


تُعدّ آلة العود من أقدم الآلات الموسيقية

 الوترية في تاريخ الإنسانية، 

وقد مثّلت عبر العصور أداة تعبير فني وثقافي عميق.

 وعلى الرغم من أن أغلب الدراسات التقليدية

 تربط ظهورها ببلاد الرافدين، 

فإن الحضارة المصرية القديمة سبقتها بآلاف السنين

 في ابتكار واستخدام آلات وترية مشابهة للعود،

 مما يجعل مصر القديمة أصلًا حضاريًا أوليًا 

في تاريخ العود والموسيقى الوترية.

 وقد انتقلت هذه المعرفة الموسيقية لاحقًا إلى اليونان

 القديمة التي طوّرت نماذجها الخاصة، 

مثل الليرة والقيثارا، 

قبل أن تعود هذه التقاليد الموسيقية

 لتُغني التراث العربي الإسلامي لاحقًا.


أولًا: العود في الحضارة المصرية القديمة

تُظهر النقوش والرسومات الجدارية في المعابد المصرية،

 خصوصًا في مقابر طيبة وبني حسن،

 صورًا واضحة لآلات وترية شبيهة بالعود 

يعود تاريخها إلى نحو الألف الثالث قبل الميلاد. 

كانت هذه الآلات تُعزف بالأصابع أو بالريشة، 

وتُستخدم في الطقوس الدينية

 والاحتفالات والقصور الملكية. 

لقد عُرفت في مصر أنواع متعددة من الآلات الوترية

 مثل الكنارة والعود الطويل الرقبة،

 والتي كانت تُمثّل أسلافًا مباشرة 

لما أصبح لاحقًا العود الكلاسيكي. 

هذه الشواهد تؤكد أن مصر القديمة 

هي أول حضارة وثّقت استخدام آلة وترية

 من عائلة العود، 

قبل أن تنتقل الفكرة إلى حضارات أخرى

 في الشرق الأدنى.


ثانيًا: انتقال الإرث المصري إلى اليونان

خلال العصور اللاحقة،

 وبخاصة في الحقبة ما بين الألف الأول

 قبل الميلاد والعصر الهيليني،

 تأثرت اليونان القديمة بعمق بالثقافة المصرية،

 في الفنون والعلم والفكر والموسيقى.

 وقد درس عدد من فلاسفة الإغريق 

وعلمائهم في مصر، 

مثل فيثاغورس وأفلاطون وهيرودوت، 

وتلقوا فيها معارفهم الأولى 

في الرياضيات والموسيقى والتناغم.

 من خلال هذا التواصل، 

تبنّى الإغريق فكرة الآلة الوترية 

ذات الصندوق الرنان، 

فظهرت آلاتهم المميزة مثل الليرة (Lyra) 

والقيثارا (Kithara) والباندورا (Pandura)،

 التي طوّروا بها البنية الموسيقية 

المستوحاة من الأصل المصري الشرقي.


ثالثًا: الفكر الموسيقي والفلسفي

 في اليونان وتأثيره اللاحق

تعامل الإغريق مع الموسيقى

 كعلمٍ وفلسفة في آنٍ واحد. 

فقد رأى فيثاغورس أن النغمات الموسيقية

 تخضع لقوانين رياضية تمثل انسجام الكون، 

وهي أفكار كان لها جذور

 في مدارس الفكر المصرية القديمة

 التي مزجت بين العلم والمقدّس.

 كما تناول أفلاطون وأرسطو الموسيقى

 بوصفها أداة لتربية النفس

 وتنظيم الانفعال، 

مفضلين الآلات الوترية الهادئة

 كوسيلة للانسجام الداخلي. 

هذه الرؤى انتقلت لاحقًا إلى العالم العربي

 عبر الترجمات في العصر العباسي،

 لتصبح أحد الأسس النظرية 

التي قام عليها علم الموسيقى العربية.


رابعًا: من التراث الإغريقي

 إلى العود العربي ثم إلى أوروبا

عبر مراحل طويلة من التفاعل الثقافي، 

انتقلت الموسيقى اليونانية ذات الأصل المصري

 إلى الحضارة العربية الإسلامية، 

حيث تم تطوير آلة العود 

لتصبح أكثر اكتمالًا صوتيًا وشكليًا 

على أيدي الموسيقيين العرب،

 مثل الفارابي وإسحاق الموصلي

 وخصوصًا زرياب. 

ويُعتبر زرياب شخصية محورية

 في تاريخ الموسيقى العالمية،

 إذ نقل فنون العزف على العود 

وأساليب التلحين العربية

 إلى الأندلس (إسبانيا الحالية)،

 ومن هناك إلى أوروبا بأكملها، 

مما جعل العود أصلًا مباشرًا

 لآلات أوروبية لاحقة مثل اللاّوت (Lute).


الخاتمة

يُظهر المسار التاريخي لآلة العود 

أنها ثمرة تواصل حضاري متسلسل

 بدأ من مصر القديمة، 

ثم انتقل إلى اليونان

 وتأثر بفكرها الفلسفي، 

قبل أن يُعاد تطويره في

 الحضارة العربية الإسلامية

 التي بدورها أوصلته إلى أوروبا. 

وهكذا، لا يمكن النظر إلى العود

 إلا بوصفه رمزًا للتفاعل الثقافي

 العميق بين الشرق والغرب،

 وجسرًا فنّيًا وحضاريًا يربط 

بين أقدم حضارات الإنسانية في مصر،

 مرورًا باليونان، وصولًا إلى العالم العربي والأوروبي.




drmon

أ.د/عبدالمنعم خليل ابراهيم أستاذ دكتور بالمعهد العالى للموسيقى العربية - أكاديمية الفنون- مصر أستاذ محاضر فى معظم كليات الموسيقى بمصر شاعر وملحن وموزع موسيقى وعازف ومطرب ومدرب المستشار الثقافى السابق لصندوق التنمية الثقافية عضو جمعية الصداقة المصرية الهندية عضو مجلس ادرة بجمعية احياءالتراث الموسيقى العربى

إرسال تعليق

أحدث أقدم