الانقياد إلى الخليج فنيًا


 الانقياد فنيًا إلى الخليج 



توابع الانقياد إلى الخليج فنيًا

 والتحكم فيمن يعمل ومن لا يعمل من الفنانين المصريين

على مدى العقود الأخيرة،

شهدت الساحة الفنية المصرية تحولات جذرية،

 لم تكن جميعها نابعة من الداخل،

 بل تأثرت بشكل كبير بتغيرات خارجية،

 خصوصًا من دول الخليج العربي

 التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد مسار كثير من الفنانين المصريين

 لم يعد الأمر مجرد تبادل ثقافي أو تعاون إنتاجي،

 بل وصل إلى درجة من التحكم والسيطرة،

 امتدت لتشمل تحديد من يُسمح له بالعمل

 ومن يُقصى، سواء داخل الخليج أو حتى داخل مصر نفسها.


الخليج كمركز قوة جديد في سوق الفن




في الماضي، كانت القاهرة قبلة الفن العربي، 

ومركز إنتاج الأغنية والدراما والسينما، 

بينما كانت دول الخليج سوقًا مهمًا لكنها مستهلكة أكثر من كونها منتجة.

 ومع الطفرة الاقتصادية الهائلة في الخليج

 منذ الثمانينيات والتسعينيات، 

تغيرت موازين القوى؛ أصبح رأس المال الخليجي 

حاضرًا بقوة في الإنتاج الفني، سواء من خلال القنوات الفضائية،

 أو شركات الإنتاج، أو المهرجانات الفنية.

هذا النفوذ المالي فتح الباب أمام الخليج

 ليصبح صانع قرار فني، حيث لم يعد الفنان المصري

 قادرًا على تجاهل هذا السوق 

الذي يضمن له شهرة أوسع ودخلًا أكبر.

 لكن في المقابل، أصبحت هذه السوق تفرض شروطها،

 ليس فقط في طبيعة المحتوى، ولكن أيضًا في هوية من يشارك فيه.


آلية التحكم: 

من الإقصاء الناعم إلى المنع الصريح

التحكم في من يعمل ومن لا يعمل 

لا يأتي دائمًا بشكل مباشر،

 بل يتخذ أشكالًا متعددة.

 قد يبدأ الأمر بتجاهل الفنان في المهرجانات أو الفعاليات الكبرى، 

أو عدم دعوته للمشاركة في البرامج التلفزيونية 

ذات الشعبية الخليجية،

 وصولًا إلى وضعه في قوائم غير معلنة تمنع التعامل معه نهائيًا.

الأمر لا يقتصر على النشاط داخل دول الخليج فقط، 

بل يمتد إلى التأثير على الساحة المصرية نفسها.

 فمع اعتماد عدد كبير من شركات الإنتاج المصرية على التمويل الخليجي،

 يصبح من السهل ممارسة الضغط لحرمان فنان ما 

من الظهور في أعمال مصرية، 

إذا كان مغضوبًا عليه خليجيًا. 

وهنا تتحول قرارات الإنتاج في القاهرة إلى انعكاس مباشر

 لاعتبارات سياسية أو اجتماعية أو حتى شخصية مصدرها خارج الحدود.


الأسباب والدوافع

  1. الاعتبارات السياسية:
  2. قد يُقصى فنان بسبب تصريح أو موقف سياسي 
  3. لا يتماشى مع سياسات إحدى دول الخليج،
  4.  حتى لو لم يكن لهذا الموقف علاقة مباشرة بالفن.

  5. الحساسيات الاجتماعية والدينية: 
  6. بعض الأعمال أو الشخصيات الفنية 
  7. قد تُعتبر “غير مناسبة” للمجتمع الخليجي،
  8.  ما يؤدي إلى وضع قيود على مشاركة أصحابها.

  9. المنافسة وحماية السوق المحلي:
  10. في بعض الحالات، يكون الهدف هو إعطاء مساحة أكبر
  11.  للفنانين المحليين في الخليج، عبر تقليص فرص الفنانين المصريين.

  12. العلاقات الشخصية والنفوذ الفردي
  13. : أحيانًا يكون القرار نتيجة خلافات 
  14. أو تحالفات شخصية بين فنانين ومسؤولين أو ملاك قنوات ومنصات إنتاج.

الانعكاسات على المشهد الفني المصري

هذا النوع من التحكم الخارجي في السوق المصري أدى إلى عدة نتائج سلبية:

  • تراجع حرية الإبداع: 
  • الفنان أصبح أكثر حذرًا في اختياراته
  •  وتصريحاته، خشية أن يخسر فرصة العمل 
  • في الخليج أو في المشاريع الممولة خليجيًا.

  • إضعاف التنوع الفني: 
  • مع الإقصاء الانتقائي لبعض الأصوات المميزة، 
  • يخسر الجمهور فرصة الاطلاع على أعمال قد تكون مختلفة أو جريئة.

  • هيمنة المعايير التجارية على القيم الفنية:
  • لأن الهدف يصبح إرضاء السوق الممول،
  •  لا إنتاج فن يعبر عن روح المجتمع المصري أو احتياجاته.
  • تصدير النمطية: إذ تُفرض قوالب فنية تتماشى 
  • مع الذوق المحافظ السائد في بعض دول الخليج،
  •  ما يحد من التجديد والتجريب.

أمثلة واقعية (مع تجنب الأسماء المباشرة)

شهدت السنوات الأخيرة حالات لنجوم مصريين

 تراجع حضورهم فجأة في الأعمال الفنية، 

رغم نجاحهم السابق، وذلك بسبب مواقف أو تصريحات

 أغضبت بعض الجهات الخليجية.


 وفي المقابل، ظهر فنانون آخرون بشكل مفاجئ

 على الساحة بفضل دعم مالي وإعلامي قوي قادم من هناك، 

بغض النظر عن قدراتهم الفنية الحقيقية.

كما أن بعض المهرجانات المصرية أصبحت تعتمد على الرعاية الخليجية، 

وبالتالي تخضع لاعتبارات تتجاوز البعد الفني، 

لتدخل في حسابات “من يرضى عنه الممول” و“من يفضل إقصاءه”.


مستقبل الفن المصري بين الاستقلال والانقياد

إذا استمرت هذه الحالة، قد نجد أنفسنا أمام مشهد فني مصري 

فاقد لخصوصيته، يعمل فقط وفق إملاءات خارجية. الحل يكمن في:

  • تنويع مصادر التمويل
  • حتى لا يكون رأس المال الخليجي هو الخيار الوحيد.
  • إعادة الاعتبار للمؤسسات الثقافية المصرية الرسمية
  • لتدعم الفنانين المستقلين.
  • إنشاء منصات إنتاج وتوزيع مصرية قوية
  • تنافس في السوق العربي دون الاعتماد الكلي على التمويل الخارجي.
  • دعم الجمهور للفنانين المستقلين 
  • عبر شراء الأعمال وحضور العروض، حتى يكون للفنان سند جماهيري يحميه من الإقصاء.

الخلاصة

الانقياد إلى الخليج فنيًا ليس مجرد تعاون ثقافي،

 بل أصبح في بعض جوانبه علاقة تبعية اقتصادية وسياسية 

تؤثر في حرية الإبداع المصري

. وإذا لم تُتخذ خطوات لاستعادة التوازن،

 فإن الساحة الفنية المصرية قد تتحول

 من صانعة ومصدرة للنجوم إلى ساحة تابعة تنتظر الإذن بالتحرك.



 

drmon

أ.د/عبدالمنعم خليل ابراهيم أستاذ دكتور بالمعهد العالى للموسيقى العربية - أكاديمية الفنون- مصر أستاذ محاضر فى معظم كليات الموسيقى بمصر شاعر وملحن وموزع موسيقى وعازف ومطرب ومدرب المستشار الثقافى السابق لصندوق التنمية الثقافية عضو جمعية الصداقة المصرية الهندية عضو مجلس ادرة بجمعية احياءالتراث الموسيقى العربى

إرسال تعليق

أحدث أقدم